Thursday, December 12, 2013

سنربط الحزام


غادرت سريرها في ساعات الصباح الأولى, لم تعلم ما إذا كانت قد نامت فعلا أم لا , لم تكن متأكدة ما إذا كانت تلك الصور التي مرت في خيالها أحلام وردية أم أحلام يقظة . كان الجو شديد البرودة لكنها لم  تأبه, نظرت إلى نفسها في المرآة, يا إلهي , إن وجهها شاحب و يظهر عليه الإرهاق الشديد ! سارعت إلى الحمام لتحضر ذلك المستحضر الذي قد اشترته منذ عدة أشهر و لم تستخدمه , وضعت القليل على وجهها  و يديها علُّه ينقذ ما يمكن إنقاذه. 

نظرت مليا إلى بيتها الصغير  المُؤلف من غرفتين , غرفة للنوم و أخرى للجلوس , ما هذا ؟ إن حال البيت مزرية , لا يوجد في غرفة الجلوس سوى أريكة متوسطة الحجم في المنتصف , يقابلها التلفاز و بجانبها طاولة صغيرة. لا , ليس اليوم , و لكن ما عساها فاعلة ؟  فكرت أنه عند الثامنة و النصف ستكون جارتها أم سمير قد استيقظت , ستطلب منها أن تعطيها طاولتها الكبيرة و ساعة الحائط و ... نعم, ستطلب منها أن تعطيها تلك المزهرية الحمراء التي أهداها إياها زوجها الشهر الماضي. و لكن ماذا عن الزهور ؟ ستذهب في التاسعة لتشتري بعض الورود الجورية , إن الورد الجوري غالي جدا لكن اليوم هو يوم مميز بالنسبة لها , كما إعتادت أمها على القول عند شراء شيء ثمين "سنربط الحزام" أي أنهم سيقومون بشراء الغرض الثمين و من ثم سيقتصدوا لبقية الشهر, ستربط الحزام و تشتري الزهور.

 

سارعت إلى المراة لترى ما إذا كانت معجزات ذلك الكريم قد ظهرت أم لا, كانت بسنواتها الخمسين, تتحرك برشاقة فتاة مراهقة على وشك لقاء حبيبها للمرة الأولى, تجاهلت وجهها و نظرت مليا إلى رداء النوم الذي كانت ترتديه, لقد كان زهريا باهتا و عليه اثار من علبة الألوان التي كان سمير يلعب بها, لكن تلك الحادثة حصلت قبل أربع أيام, أمعقول أنها لم تبدل ثيابها منذ أربع أيام؟ ماذا سترتدي ؟ ذهبت إلى غرفة نومها و عندما فتحت الخزانة , سمعت صوت صرير الباب المزعج الذي لطالما أرعب سمير عندما كان صغيرا , "إن في الخزانة شبح, لهذا نسمع هذا الصوت الرهيب كلما فتحتها أو أغلقتها" كانت تضحك و تخبره أن هذه مجرد أفكار سخيفة في حين أن أمه كانت تستخدم "الشبح" الموجود في خزانتها كوسيلة تهديد لتجبره على الدراسة و شراء الحاجيات لها.

لم تجد في الخزانة أي شيء جميل , ماذا ستفعل؟ ماذا ستفعل؟ و من لها سوى أم سمير ؟! ستطلب منها أن تعيرها أحد فساتينها, لكن أم سمير أكبر حجما منها, جلست على سريرها الذي أصدر صوتا مماثلا لصوت باب الخزانة و شرعت بالتفكير, وجدتها! إذا قمت بأخذ فستان أم سمير و إرتديت تلك السترة الخفيفة فوقه سيكون كل شيء ممتاز.

في الساعة العاشرة, و بعد المفاوضات المصيرية مع أم سمير و أخذ أثاثها و ثيابها , ذهبَت إلى السوق لتشتري المواد التي ستحتاج إليها لتحضير تلك الأطباق الشهية التي لم تتوقف عن التفكير بإعدادها منذ ستة أشهر, ظلت تخبر نفسها في كل مرة تشتري فيها شيئا باهظا أنها "ستربط الحزام" حتى أصبح الموضوع أغنية تدندنها , عند اللحام "سنربط الحزام, سنربط الحزام." عند محل الحلوى "سنربط الحزام , سنربط الحزام." و إستمر الوضع على تلك الحال حتى إنتهت من شراء جميع الأشياء التي أرادتها.

قاربت ساعة أم سمير التي وضعتها في منتصف الغرفة  أن تدق معلنة الساعة الخامسة , دق جرس الباب فسارعت للقيام بفتحه , كانت جميلة جدا و مشرقة في فستان أم سمير الرمادي و السترة البيضاء و شعرها المصفف إلى الوراء. فتحت الباب فوجدت سمير.

"هل من الممكن أن ألعب قليلا عندك, أمي قالت لي أنها مشغولة و لا تريدني أن أزعجها."

نظرت إليه بنظرة مكر و قالت: "أمك قالت لك إذهب و تلصص عليها لتعلم  ما سيحدث, أليس كذلك؟"

نظر سمير إلى الأرض و لم يجب. فقالت له: "على كل حال, أدخل و تابع ما سيحصل, تأكد من أنك سترصد جميع الأحداث حتى تقوم بتبليغ أمك ما سيحصل بالتفصيل, أتعلم يا سمير؟ إن والدتك متشائمة جدا و دائما تتوقع الأسوأ, سترى أنه في خلال دقائق س..."

رنّ جرس الهاتف فسارعت إلى الإجابة:

"ألو, كيف حالك يا إبنتي, إنني بإنتظارك , لقد حضرت لك جميع الأشياء التي تحبينها و ... ماذا ؟ اه ! لا لا , يجب عليكي أن تعتني بزوجكِ ... نعم, ربما مرة قادمة , سلام"
أغلقت سماعة الهاتف و نظرت إلى سمير لتبرر ما حدث:

"إن زوجها مريض, أعليها أن تترك زوجها لتزور والدتها, أعلم بماذا تفكر و لكن ما تقوله غير صحيح. على كل, سيأتي إبني خلال اللحظات القادمة و سأرى إبنتي لاحقا."

ظل سمير صامتا.

لحظات طويلة مرت, رنّ جرس الباب, هرعت إلى فتحه لترى أمامها شابا وسيما يرتدى بدلة كحلية اللون و حذاء ذا لون مشابه.

"عزيزي, لقد إشتقت إليك. تفضل بالجلوس, أين زوجتك و بناتك؟"

"أمي, إشتقت إليكِ. لكن هناك عشاء عمل ضروري جدا للشركة و علي أن أكون حاضرا , أردت فقط أن أسلم عليكِ."

"لكن... لكنني لم أراك أو أرى أختك منذ ستة أشهر. ألا تستطيع الإنتظار لبضع دقائق, فقط دقائق."

"أمي , إني مستعجل جدا, أراكي راحقا.."

غادر مسرعا بدون أن يغلق الباب وراءه, إلتفتت وراءها لتواجه سمير و تدافع عن أولادها لكنه كان قد إختفى.

أتت أم سمير مسرعة و حين رأتها بدأت بالصراخ :"أم سمير , رجاءً غادري."

قالت لها أم سمير:" كيف أغادر و أنا على وشك أن أتطلق من زوجي؟!"

"ماذا؟ طلاق ؟ ماذا فعلتي هذه المرة يا أم سمير؟"

"لماذا دائما أكون أنا المٌتهمة؟ لطالما كنت مظلومة من الجميع, زوجي و عائلتي و الان منكِ."

بدأت أم سمير بسرد قصة من خيالها عن المشكلة التي بينها و بين زوجها علها تستطيع أن تجعلها تنسى ما قد حصل منذ لحظات , و كعادة أم سمير بدأت تنتقل من قصة إلى أخرى حتى قامت بالنميمة على جميع الجيران, بل و حدثتها عن أشخاص لم تسمع بهم قط.

مرت ساعات و أم سمير منهمكة في سرد الحكايات و هي تستمع و تشارك بين الحين و الاخر. و عندما همُّت أم سمير بالخروج قالت لها:

"لقد إشتقت لهم يا أم سمير, و الله إني إشتقت لهم."

أغلقت أم سمير الباب و قامت بحضنها, بكت كثيرا حتى أنهكها البكاء و عندما إنتهت نظرت إليها أم سمير و قالت:"بالمناسبة, أسمعتي بقصة حنان إبنة الصائغ الذي يعيش في الحارة المجاورة لنا ؟ "

لم تستطع منع نفسها من الضحك, ضحكت في منتصف بكاءها و أجابت: "لا لم أسمع بقصة حنان."

"إذن قومي بإعداد القهوة حتى أخبرك قصتها, ستُصعَقي عند سماعها."
                
*****************************


No comments:

Post a Comment

About Me

Palestinian/ Freelance writer, translator and Trainer./ I believe that writing is therapy and that is why I write./ 26 years old.
Designed ByBlogger Templates